ابن الوزان الزياتي
226
وصف افريقيا
ولدا أطلقوا عليه اسم أبيه ، إدريس . « 106 » وقد اختاره الأهالي ملكا « 107 » ولهذا تمت تربيته تحت إشراف طيب ونال أكبر رعاية . ولما أصبح يافعا تعلم وتثقف على يد قائد شجاع كان يعمل عند أبيه ، اسمه راشد . ومنذ سن الخامسة عشرة أخذ هذا الغلام يحقق الأعمال الرائعة المجيدة ، ففتح عدة بلاد ، ونما نموا كبيرا عدد العائلات والقوات التي انضوت تحت حكمه . واستبان له أن المسكن الذي خلفه له والده لم يعد كافيا . وهكذا قرر أن يترك الجبل ويؤسس مدينة يستقر فيها . ولتحقيق ذلك جمع بضعة مهندسين قاموا بالكشف على كل السهول المجاورة للجبل . فنصحوه ببناء المدينة في المكان الذي تقوم فيه الآن . فهنا تظهر ينابيع عديدة ونهر كبير ، ينبع من سهل لا يبعد كثيرا عن هذه الينابيع ، ويمر بين تلال صغيرة ويهبط في شعاب فاتنة الجمال بعد أن يجتاز السهل ، ويجري ضمن واد لطيف هادىء على مسافة ثمانية أميال « 108 » . كما كانت هناك غابة كبيرة في الجنوب ، وكانت - من جهة أخرى - مفيدة لسدّ حاجات المدينة من الأخشاب والحطب . ولهذا السبب بنيت على الحافة الشرقية للنهر مدينة صغيرة كانت تضم حوالي ثلاثمائة أسرة ، وكانت تشتمل على كل ما هو ضروري نظرا لأهميتها . ولما وافى إدريس أجله « 109 » بنى أحد أبنائه مدينة أخرى إلى الغرب منها ، صغيرة الأبعاد ، واقعة هي أيضا على مجرى النهر « 110 » ومع الزمن نمت كل من المدينتين حتى أنه لم يعد يفصل بينهما سوى طريق . وقد عمل عدة قواد ، من الذين كانوا يحكمون كلا من هاتين المدينتين ، ما في مقدورهم فعلا ، كي يوسع كل واحد منهم مدينته . ولكن ما إن انصرم قرن من الزمن على تأسيس فاس حتى تشكلت أحزاب مختلفة ونشبت الخلافات بين سكان المدينتين . فكان لكل واحدة أميرها . واستمرت بينهما حروب عديدة ، وظل الأمر على هذا المنوال مائة عام « 111 » .
--> ( 106 ) في آب ( أغسطس ) 791 م . ( 107 ) نودي به يوم الجمعة 23 شباط ( فبراير ) 804 م . ( 108 ) 13 كم . ينبع النهر الذي يسقي المدينة من موقع رأس الماء ، غربي مدينة فاس . ( 109 ) في 18 آب ( أغسطس ) 828 م ، ويجدر التنوية هنا ان كل هذا التأريخ غير مؤكد ، ويختلف باختلاف المصادر . ( 110 ) ونرى هنا أن المؤلف كان يعرف ، على الرغم من اتخاذه رأيا تقليديا ، أن المدينتين لم تؤسسا على يد شخص واحد . ( 111 ) فترة الأمراء الزناتيين .